لماذا يجوع الناس في الفاشر بالسودان؟
تتفاقم الحرب الأهلية السودانية المستمرة منذ 27 شهراً بفعل أزمة جوع تصيب الفئات الهشة، ولا سيما العالقين في الفاشر، عاصمة شمال دارفور.
رغم النداءات العديدة للمساعدة من داخل المدينة، تقول وكالات الإغاثة إنها مُنعت من الوصول إلى الفاشر.
ونتيجة لذلك، تتدهور أحوال نحو 740,000 شخص بسبب الجوع، وفقاً للمركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام.
في ديسمبر 2024، أعلن التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهو المرصد العالمي للجوع، وقوع مجاعة في مخيمي زمزم وأبو شوك -وهما مخيمان يؤويان مئات الآلاف من النازحين في شمال دارفور- وحذر من احتمال امتدادها إلى الفاشر بحلول مايو.
ماذا يحدث في الفاشر؟
في أبريل 2024، فرضت قوات الدعم السريع شبه العسكرية حصاراً على الفاشر، غضباً من إعلان جماعات مسلحة محلية ولاءها للقوات المسلحة السودانية.
أغلقت قوات الدعم السريع، التي تقاتل القوات المسلحة السودانية منذ أبريل 2023، جميع طرق الدخول إلى المدينة والخروج منها، وشددت حصارها في الأشهر الأخيرة مع اقترابها التدريجي.
يقول صحفيون محليون والأمم المتحدة وجماعات إغاثة إن أسعار الغذاء ترتفع بشدة، مما يجعل معظم الناس عاجزين عن شراء مواد أساسية مثل الذرة الرفيعة والقمح.
وتقول الأمم المتحدة إن الغذاء في الفاشر يكلف نحو أربعة أضعاف سعره في بقية البلاد، فيما قال الصحفي المحلي محمد زكريا للجزيرة إن الأسواق كثيراً ما تكون خاوية.
وأضاف أن المطابخ الجماعية، التي أدت دوراً محورياً في إطعام المدنيين في أنحاء البلاد، أُغلقت بسبب نقص الغذاء الناجم عن الحصار.
من العالقون في الفاشر؟
العالقون في العاصمة هم سكان الفاشر الأصليون وأجيال من النازحين الذين لجؤوا إلى شمال دارفور على مدى السنوات الـ20 الماضية.
جاء بعضهم أول مرة إلى المدينة هرباً من مليشيات الجنجويد البدوية "العربية" المدعومة حكومياً أثناء حرب دارفور الأولى عام 2003. ويقاتل كثير من هذه الجماعات المسلحة الآن ضمن قوات الدعم السريع.
وفر آخرون إلى شمال دارفور هرباً من قوات الدعم السريع أثناء اجتياحها الولايات الأربع الأخرى في الإقليم الواسع: جنوب وشرق وغرب ووسط دارفور.
وفي أحدث موجة، فرت أسر إلى الفاشر في أبريل بعد اجتياح قوات الدعم السريع مخيم زمزم القريب، الذي كان يؤوي أكثر من نصف مليون شخص.
في مارس، قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) إن نحو نصف العالقين في الفاشر وحولها أطفال.
ما سبب الأزمة ومن تسبب فيها؟
تسود أزمة جوع أنحاء السودان، سببها أساساً استمرار الحرب الأهلية واستخدام التجويع سلاحاً في الحرب.
وفي الفاشر، ينجم الجوع الكارثي عن حصار قوات الدعم السريع في مسعاها للاستيلاء على المدينة، مما يمنحها السيطرة على إقليم دارفور الاستراتيجي بأكمله.
إذا نجحت، فقد ينقسم السودان، فتحكم قوات الدعم السريع المناطق الغربية والجنوبية، بينما تسيطر القوات المسلحة السودانية على الوسط والشمال والشرق.
اعتمدت القوات المسلحة السودانية في الغالب على جماعات مسلحة مستقرة من "غير العرب"، كانت قد قاتلتها أثناء حرب دارفور الأولى، لصد هجمات قوات الدعم السريع المتكررة منذ بدء الحصار.
تُعرف هذه الجماعات المسلحة مجتمعة باسم "القوات المشتركة"، ورغم احتفاظها بالفاشر حتى الآن، فإنها تفقد الأرض.
نفذت القوات المسلحة السودانية بعض مهمات القصف الجوي فوق منطقة الفاشر، لكنها لم تطلق حملة لتحرير المدينة.
كيف يبقى الناس على قيد الحياة؟
لجأ كثيرون في هذه المرحلة إلى علف الحيوانات.
فهم يأكلون علفاً يُعرف محلياً باسم الأمباز، وهو مصنوع من بقايا البذور الزيتية المعصورة مثل الفول السوداني والسمسم وبذور دوار الشمس. ويطحن الناس الآن هذه الكريات لإعداد حساء يبقيهم أحياء.
وأضاف زكريا أن الناس يحاولون زراعة بعض الطعام في أكواخهم للبقاء، لكنه لا يكفي لإعالتهم.
الأطفال هم الأكثر عرضة للتجويع.
هل تمكن أحد من الفرار؟
تمكن كثيرون من الفرار خلال الأشهر الـ15 الماضية.
وبدلاً من الاستجابة للدعوات إلى السماح لوكالات الإغاثة بالوصول إلى المدنيين، فتحت قوات الدعم السريع "ممراً إنسانياً" إلى طويلة، وهي بلدة تبعد نحو 40 كيلومتراً.
ذهب آلاف الأشخاص إلى طويلة، حيث يهدد تفش كبير للكوليرا حياة أطفال يعانون سوء التغذية أصلاً.
ومع ذلك، تمكنت بعض وكالات الإغاثة من مساعدة الناس هناك.
رغم الأزمة الصحية، يعد الذين وصلوا إلى طويلة أنفسهم محظوظين مقارنة بمن أسرتهم قوات الدعم السريع وقتلتهم عندما حاولوا الفرار من الفاشر.
كثيراً ما يُتهم الشبان بالقتال في صفوف جماعات مسلحة متحالفة مع الجيش، وهو ما حدث في 2 أغسطس، عندما قتلت قوات الدعم السريع 14 شخصاً وأصابت كثيرين غيرهم في قرية على طريق الخروج من الفاشر، وفقاً لمحامي الطوارئ، وهي جهة رصد محلية.
هل يزداد الوضع سوءاً؟
يبدو أنه يزداد سوءاً كل يوم.
خلال الأشهر الستة الأولى من هذا العام، مات 239 طفلاً في الفاشر بسبب الجوع، وفقاً لشبكة أطباء السودان. وتحذر وكالات الأمم المتحدة من أن هذا العدد قد يتضاعف بشدة إذا لم تصل المساعدات قريباً إلى سكان المدينة المحاصرة.
قال برنامج الأغذية العالمي في بيان إنه عجز عن إرسال شاحنات المساعدات إلى المدينة بسبب الحصار، وحذر من أن آلاف الأشخاص يواجهون المجاعة.
"أنتم جميعاً وعائلاتكم خارج [الفاشر]، ولا أحد منكم يتضور جوعاً هكذا"، ناشدت امرأة مسنة من الفاشر في مقطع مصور موثّق نُشر على TikTok.